الاستثمار الحقيقي: الإنفاق على البشر قبل الحجر
في خضم السباق المحموم نحو التنمية ونهضة اقتصاد الأوطان، تتجه الأنظار غالباً بمنطق المال نحو الأرقام الضخمة، حيث يتم حصر المشاريع العملاقة وتكاليفها البراقة والعوائد المتوقعة منها. كما يتركز الاهتمام على منظور البنى التحتية ومدى تطورها، مخلّفة وراءها تركة من الأرقام الفلكية التي تصل إلى المليارات لاستثمارات تبدو واعدة على الورق.
السؤال الجوهري الذي يهدد كل المشاريع
لكن يظل هناك استفهام جوهري يفرض نفسه بقوة، ويعرّض كل ما سبق ذكره لخطر الفشل والانهيار: من الذي سيدير تلك المشاريع الضخمة؟ وأين الضمان الحقيقي لاستدامتها على المدى الطويل؟ الإجابة تكمن في حقيقة بسيطة لكنها عميقة: إن الاستثمار الحقيقي لا يُقاس بحجم ما يُنفق على الحجر والمباني، بل بقدر ما يُنفق على البشر وتنمية قدراتهم.
فمهما بلغت الضخامة في المشاريع الإنشائية، إلا أنها تظل كيانات صامتة لا قيمة حقيقية لها دون عقل مفكر يخطط، وقيادة مبدعة تقود، وإنسان مؤهل يمثل رأس المال الحقيقي بامتلاكه المهارة والدافعية والرغبة في الإنجاز.
النموذج السعودي: الاستثمار في رأس المال الفكري
من نعم الله علينا أننا نرى المثال الحي قبل الحديث عنه وأثناءه وبعده؛ في نهضة فكرية شاملة واستدعاء ملهم لقدراتنا البشرية في وطننا العظيم. برؤيته الثاقبة للاستثمار في رأس المال الفكري من أجل الريادة والاستدامة، فقد أدركت بلادنا هذه الحقيقة مبكراً، وقفزت بها قفزات تنموية رائدة على مستوى العالم.
وقد جعلت المملكة العربية السعودية من تنمية الإنسان محوراً رئيسياً وأساسياً في «رؤية 2030»، فلم يعد التعليم لدينا مجرد عملية نقل للمعرفة التقليدية، بل أصبح تعليماً موجهاً نحو الريادة من خلال صناعة القدرات وبناء الكفاءات المتخصصة. كما يسعى هذا النهج لتأهيل أجيال قادرة على المنافسة العالمية بثقة وكفاءة.
ومن الشواهد العملية على ذلك ما حققه أبناؤنا وبناتنا في المنافسات العالمية مثل معرض جنيف الدولي للاختراعات، ومسابقة «آيسف» للعلوم والهندسة، وغيرها من المحافل الدولية، حيث حصلوا على مراكز متقدمة ومشرفة. كما أن المنافسات المحلية المميّزة أحدثت حراكاً مبهراً لأبنائنا الطلاب بابتكاراتهم المتميزة، وتنافسهم الشريف على المشاريع الريادية المبدعة التي تخدم المجتمع.
رحلة الاستثمار في الإنسان: من التعليم إلى التمكين
إن الاستثمار في الإنسان يبدأ من التعليم الجيد ولا ينتهي عنده أبداً؛ بل يمتد ليشمل التدريب المستمر طوال الحياة، وما يبنى عليه من تمكين للكفاءات الوطنية، وبناء بيئات العمل المحفزة للإبداع والابتكار. هذه البيئات بدورها تعزز روح الإبداع، وتحتضن المبادرات الفردية والجماعية، وتنمّي التفكير النقدي البناء وما ينتج عنه من صناعة القرار الرشيد.
وهذه العناصر كلها لا يمكن شراؤها بالأموال، بل يتم بناؤها عبر الزمن بالجهد والمثابرة، وهو ما أنتجته جامعاتنا السعودية من خلال حاضنات الأعمال والابتكار، وما تبنته الهيئة العامة للمنشآت الصغيرة والمتوسطة (منشآت) بمبادراتها الرائدة مثل «بيبان» وغيرها من البرامج الداعمة لريادة الأعمال.
عواقب إهمال الاستثمار البشري
في المقابل؛ فإن إهمال الاستثمار في الإنسان ينعكس مباشرةً وبشكل سلبي على كفاءة المشاريع مهما كانت جودتها التقنية العالية. فقد تمتلك الشركة أو المؤسسة أحدث التقنيات والأجهزة المتطورة، لكنها تتعثر في تحقيق أهدافها نظراً لضعف الكوادر البشرية، وغياب القيادة المؤثرة الملهمة التي تقود التغيير.
وهنا يظهر الفرق الجوهري بوضوح، وتتجلى الفجوة الكبيرة بين من يستثمر في المظهر التنموي الخارجي فقط، ومن يؤسس للجوهر التنموي الحقيقي من خلال بناء الإنسان القادر على الإبداع والإدارة.
الرهان المستقبلي: بناء الإنسان قبل المشاريع
لذا يمكن القول بثقة؛ إن الرهان الحقيقي في المرحلة القادمة من التنمية لن يكون على مجرد بناء المشاريع الضخمة والمباني الشاهقة، بل في بناء الإنسان الكفؤ القادر على إدارتها بكفاءة، وتطويرها باستمرار، وضمان استدامتها للأجيال القادمة.
إذن؛ إن أعظم استثمار يمكن أن تقوم به أي أمة هو الاستثمار في الإنسان، فعليه يبنى النجاح الدائم، وتتحقق الاستدامة الحقيقية، التي لا يمكن أن تقوم على الموارد المادية فقط، بل على العقول المفكرة التي تحسن استثمار هذه الموارد وتوظيفها لخدمة البشرية.



