دفاع عن السوق «غير» الحرة: قراءة نقدية في نظريات الاقتصاد
اطَّلعت هذه الأيام على كتابين اقتصاديين بارزين، يقدمان رؤيتين متعارضتين لتاريخ الاقتصاد ونظرياته، مما يثير نقاشاً عميقاً حول جوهر النشاط الاقتصادي ودور المجتمع فيه.
الكتاب الأول: أسس السوق الحرة لليونيل روبنز
أصدر ليونيل روبنز كتابه «مقالة في طبيعة علم الاقتصاد وأهميته» في عام 1932، حيث كرَّسه للبرهنة على أن موضوع الاقتصاد هو سلوك الأفراد حين يواجهون محدودية الموارد اللازمة لتحقيق غاياتهم. كمثال: تحتاج للطعام للبقاء على قيد الحياة، وتوفيره يتطلب المال أو العمل، وكلاهما محدود الكمية.
ندرة الموارد تفرض على الإنسان الاختيار بين الغايات المختلفة، لإنفاق أقل قدر من موارده لتحصيل أكبر قدر من غاياته. هذه الرؤية تتطابق مع نظرية «الاختيار العقلاني»، التي ترى أن الإنسان يسعى بطبيعته لزيادة مكاسبه في أي معاملة، مع جوهر العقلانية في الاستفادة القصوى من التبادلات.
أثارت رؤية روبنز جدلاً كبيراً في وقتها، ثم ترسخت بمرور الزمان كأساس لمبدأ السوق الحرة أو السوق الذاتية التنظيم، الذي تقوم عليه معظم اقتصادات العالم المعاصر.
الكتاب الثاني: نقد كارل بولانيي لاقتصاد السوق
في المقابل، يأتي كتاب «التحول الكبير: الأصول السياسية والاقتصادية لزمننا المعاصر» للمفكر النمساوي-المجري كارل بولانيي (1886-1964)، بمسار معاكس تماماً. يعتبره باحثون كثيرون أهم المقاربات النقدية لاقتصاد السوق ومنطلقاته الفلسفية.
بينما افترض روبنز أن مشكلة الندرة جزء من طبيعة الحياة ولا حل لها غير تبادل الموارد أو الاختيار بين الغايات، يقرر بولانيي أن هذه الرؤية تحول المجتمع إلى جزء من ماكينة توزيع المال والسلع، تابعاً لحركة السوق. الصحيح أن اقتصاد المجتمع جزء من صلب حياته، ولا يمكن فهمه بمعزل عن العالم المفهومي والثقافي للجماعة.
كل مؤسسة أو نشاط، اقتصادياً كان أو غير ذلك، لا يُفهم خارج التجربة التاريخية التي شهدت تطوير المجتمع لنظام حياته وامتداداتها المؤسسية. عالم الإنسان لا يدور حول تبادل المال فقط؛ غالبية المجتمعات البشرية تتضامن للحفاظ على حياة أفرادها وأملاكها وثقافتها، وتنفق على هذه المهمة كثيراً من المال، حتى لو كان العائد المادي ضئيلاً.
جدل حول الندرة ودور المجتمع
يجادل بولانيي بأن نظرية الاختيار العقلاني واقتصاد السوق تفترض أن الأفراد يتخذون قراراتهم في عزلة تامة عن قواعد المجتمع وهمومه. حين يكون الإنسان في السوق، فلا شيء يهمه سوى تعظيم منافعه المادية، مما يؤثر بعمق في تنظيم السلوك الفردي وتحديد المصالح.
إذا هيمن هذا المنطق، فإن المجتمع سيخسر دوره كنظام للحياة الطيبة، ويتحول إلى مجرد احتشاد للأفراد المشغولين بمصارعة بعضهم لبعض من أجل المال. يقول بولانيي أن اقتصاد السوق واحد من النماذج الاقتصادية التي عرفها التاريخ، وليس أفضلها، وأن الندرة ليست حتمية، فهي مفهوم يجري تعريفه على ضوء ثقافة المجتمع وهمومه.
ما يعد مورداً نادراً في مكان، قد يكون مهملاً في مكان آخر أو زمان آخر. يخص بولانيي بالذكر الأرض التي باتت سلعة في ظل اقتصاد السوق، وكان ينبغي أن تبقى موضوعاً للعمل كأي جزء من أجزاء الطبيعة، من دون تملُّك أو احتكار على النحو المعروف اليوم.
هذا التحليل يسلط الضوء على الجدل المستمر بين نظريات الاقتصاد، ويؤكد أهمية النظر إلى الاقتصاد ليس كظاهرة معزولة، بل كجزء لا يتجزأ من نسيج المجتمع وقيمه الثقافية والتاريخية.



