ظلام القاهرة عند التاسعة: تأثير الإغلاق المبكر على الاقتصاد والحياة اليومية في مصر
بدأت مصر الأسبوع الجاري تطبيق خطة ترشيد استهلاك الطاقة، التي تشمل الإغلاق المبكر للمحال التجارية والمطاعم والمقاهي في الساعة التاسعة مساءً يومياً، مع استثناء يومي الخميس والجمعة حيث يُمدد العمل حتى العاشرة مساءً. هذه الإجراءات تستثني المخابز ومحال البقالة والصيدليات، لكنها ألقت بظلالها على شوارع القاهرة، التي باتت مظلمة بشكل غير مألوف منذ بدء التطبيق.
مشهد غير معتاد في شوارع العاصمة
عند التجول في شوارع القاهرة بعد الساعة التاسعة مساءً، يلاحظ المرء ظلاماً دامساً يغطي الطرق، مع إغلاق المحال أبوابها وإطفاء أنوارها الخارجية. حتى المنشآت المستثناة، مثل المخابز والصيدليات، تقوم بتخفيف الإضاءة، مما يخلق جوّاً من الخوف والقلق بين المواطنين. هذا المشهد لم يشهده سكان القاهرة منذ عقود، إلا في أوقات استثنائية مثل جائحة كورونا أو فترات الحظر السياسي في عامي 2011 و2013.
القاهرة، التي تُعرف بصفة "الساحرة الساهرة"، تحولت إلى مدينة تكتسي بالظلام مع حلول المساء، معتمداً على أضواء السيارات العابرة أو الفنادق الكبرى فقط. يعود هذا التغيير إلى خطة الحكومة المصرية لترشيد استهلاك الطاقة، التي أعلنتها لمدة شهر بهدف خفض فاتورة الوقود في ظل اضطراب أسعار النفط العالمية، الناجم عن التصعيد بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران.
تأثيرات اقتصادية واجتماعية عميقة
تؤثر هذه الإجراءات بشكل كبير على أصحاب الأعمال والعاملين. على سبيل المثال، تقول راجية، التي تدير مطعماً صغيراً في حي مصر الجديدة، إن إغلاق المطعم في التاسعة مساءً يعني خسارة 50% من الإيرادات، حيث يبدأ وقت الذروة في السابعة مساءً. رغم استمرار خدمة التوصيل، إلا أن الخسائر لا تزال كبيرة، كما أن استهلاك الطاقة في المطعم يظل مرتفعاً بسبب تشغيل المطبخ والثلاجات ليلاً.
في قطاع آخر، اضطر جاد، صاحب مقهى، إلى تطبيق نظام المناوبات بين العاملين وتقليص ساعات العمل، مما أدى إلى انخفاض أجورهم بشكل ملحوظ. أما رمضان، الذي يعمل في مقهى مجاور، فقد تقلصت ورديته إلى النصف، مما أثر على قدرته على تأمين قوت أطفاله. في مجال الرياضة، يقول جمال، الذي يؤجر ملاعب لرياضة "البادل"، إنه سيفقد 70% من إيراداته المسائية، معبراً عن مخاوفه من فقدان مصدر رزقه إذا طال أمد الإغلاق.
تبريرات الحكومة وردود الفعل
بررت الحكومة المصرية خطتها بارتفاع فاتورة واردات الطاقة إلى أكثر من الضعف منذ اندلاع الحرب، وأعلنت إجراءات إضافية مثل إبطاء المشروعات كثيفة الاستهلاك للوقود وتطبيق العمل عن بعد يوماً واحداً أسبوعياً. ومع ذلك، يصف كثيرون هذه الإجراءات بأنها "حظر غير معلن"، خاصة مع صعوبة إيجاد وسائل نقل بعد التاسعة مساءً، حيث يرفض سائقو التطبيقات الرحلات الطويلة لعدم ضمان العودة.
كما رفعت الحكومة أسعار تذاكر القطارات ومترو الأنفاق بنسب تتراوح بين 12.5% و25%، بعد أيام من زيادة أسعار الوقود بنحو 17%، مما زاد من الأعباء على المواطنين.
تحليلات الخبراء والمخاوف المستقبلية
يرى الخبير الاقتصادي مدحت نافع أن الحكومة أغفلت نقطة مهمة، حيث يمثل استهلاك المصريين 88% من الناتج المحلي الإجمالي، وكبح الاستهلاك قد يؤدي إلى تباطؤ الاقتصاد وانخفاض الحصيلة الضريبية. كما أن إنارة الشوارع تستهلك 2.7% فقط من الكهرباء، لكنها تعطي انطباعاً سلبياً للمستثمرين وتزيد من الشعور بالخوف.
من جهته، لا ينفي أستاذ التمويل مصطفى بدرة وجود سلبيات، لكنه يرى أن توقيت الخطة قد يخفف من آثارها بسبب قرب الامتحانات. ويقترح بديلاً مثل العودة إلى نظام تخفيف الأحمال عبر قطع الكهرباء لساعات محددة خلال النهار، بدلاً من الإغلاق الكامل، محذراً من موجة تضخمية وعودة السوق السوداء في ظل تراجع قيمة الجنيه المصري.
تشير البيانات إلى أن الدين الخارجي لمصر تضاعف أربع مرات خلال العقد الماضي، مع اعتماد كبير على الاقتراض بالدولار، مما يحد من هامش المناورة الحكومي في الأزمات. مع استمرار التصعيد العالمي، تخشى الحكومة من اتخاذ إجراءات تقشفية إضافية، بينما يخشى المواطنون من فقدان مصادر رزقهم وتأثيرات الحرب على مصادر النقد الأجنبي مثل قناة السويس والقطاع السياحي.



