الاقتصاد الدائري: تحول جذري في مفهوم الثروة من الاستهلاك إلى إعادة الاستخدام
الاقتصاد الدائري: تحول جذري في مفهوم الثروة

في عالمٍ لم تعد فيه الثروة تُقاس بما يُستخرج من باطن الأرض فقط، بل بما يُعاد إدخاله في دورة الإنتاج والاستثمار، يبرز الاقتصاد الدائري كتحول جذري في الفلسفة الاقتصادية. إنه انتقال من منطق "الاستهلاك ثم الإلغاء" إلى منطق "الاستخدام ثم الإعادة"، ومن اقتصاد يتعامل مع الموارد كمنتهية إلى اقتصاد يرى أن القيمة لا تنتهي بل تتغير صورتها فقط.

جوهر الاقتصاد الدائري

لقد لفت المفكر البيئي ويليام ماكدونو إلى جوهر هذه الفكرة حين قال: "النفايات ليست نهاية الشيء، بل بداية شيء آخر". هذا التصور يعيد تعريف العلاقة بين الإنسان والموارد؛ فكل ما يُظن أنه "انتهى" هو في الحقيقة مادة اقتصادية لم تُحسن إعادة توظيفها بعد.

الاقتصاد الدائري ورؤية السعودية 2030

في هذا السياق، تأتي المملكة اليوم ضمن مسار تحول اقتصادي واسع تقوده مستهدفات رؤية السعودية 2030، حيث تتقاطع الاستدامة مع الاقتصاد، ويُعاد النظر في الموارد غير المستغلة بوصفها فرصًا إنتاجية كامنة لا عبئًا تشغيليًا. وقد لخّص الاقتصادي الإنجليزي كينيث بولدينغ هذه الفلسفة بقوله: "الاقتصاد المستدام هو الذي يُبقي موارده داخل دورة الحياة أطول وقت ممكن".

بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

أمثلة على التحول

من الأمثلة التي تكشف عمق هذا التحول: المركز الوطني لتنمية الغطاء النباتي ومكافحة التصحر، الذي يصادر آلاف الأطنان من الحطب في مختلف المناطق ضمن جهوده لحماية الغطاء النباتي. هذه المواد، التي تُدار اليوم بوصفها مصادرات بيئية، تحمل في جوهرها قيمة اقتصادية يمكن، إذا أُعيد تنظيمها ضمن منظومة متكاملة، أن تتحول إلى صناعات خشبية، أو طاقة بديلة، أو منتجات تحويلية تدخل في أكثر من قطاع إنتاجي.

وكذلك الحال في الأجهزة الحكومية والوزارات التي تمتلك سنويًا كميات كبيرة من الأثاث والأجهزة والمعادن والكابلات والخشب والزجاج، والتي غالبًا ما تخرج من الدورة الاقتصادية بمجرد انتهاء استخدامها، رغم أن "انتهاء الاستخدام" لا يعني "انتهاء القيمة".

إعادة تعريف النفايات

هنا تتجلى فكرة اقتصادية محورية: إن الخسارة الكبرى لا تقع عند الشراء، بل عند غياب القدرة على إعادة تشغيل الموجودات داخل دورة اقتصادية جديدة. وقد عبّر عنها المهندس الأمريكي ويليام ماكدونو حين قال: "النفايات هي مجرد مادة وُضعت في المكان الخطأ".

أما الملابس المستعملة، فهي مثال عالمي لقطاع اقتصادي ضخم قائم بذاته، يُبنى على الفرز وإعادة التصنيع والتصدير وإعادة الاستخدام، بينما لا يزال يُنظر إليه محليًا في كثير من الأحيان بوصفه فائضًا استهلاكيًا، رغم أنه في الاقتصادات المتقدمة يمثل سلسلة قيمة كاملة.

وكذلك الحديد، والزجاج، والكفرات، والبلاستيك، والأخشاب، ومخلفات البناء والهدم؛ جميعها ليست نهاية دورة إنتاج، بل هي، كما يصفها واقع الاقتصاد الحديث، "مواد أولية مؤجلة" تنتظر إعادة إدخالها في دورة القيمة.

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي

التحدي الحقيقي

وقد لخّص الاقتصادي كينيث بولدينغ هذا التحول في الفكر الاقتصادي بقوله: "من يظن أن النمو الاقتصادي لا حدود له يعيش في عالم لا يفهم حدود الموارد". وهي إشارة عميقة إلى أن التحدي الحقيقي ليس في ندرة الموارد، بل في طريقة إدارتها واستمرار دورانها داخل الاقتصاد لأطول فترة ممكنة.

إعادة صياغة مفهوم الثروة

في هذا الإطار، لا يعود الاقتصاد الدائري مجرد مفهوم بيئي أو تنظيمي، بل يصبح إعادة صياغة لفكرة الثروة ذاتها؛ فالثروة ليست فيما نستهلكه، بل فيما نُحسن استعادته وإعادة إدخاله في دورة الحياة الاقتصادية. كما يقول المفكر الإداري بيتر دراكر: "الكفاءة هي أن تفعل الأشياء بطريقة صحيحة، أما الفاعلية فهي أن تفعل الأشياء الصحيحة".

الحاجة إلى كيان وطني متخصص

من هنا، فإن هذا التحول لا يمكن أن يُدار عبر مبادرات متفرقة أو اجتهادات قطاعية، بل يحتاج إلى كيان وطني متخصص يقود هذا المجال ويحوّله إلى صناعة اقتصادية متكاملة. وتتأكد بذلك أهمية إنشاء هيئة وطنية تُعنى بالاقتصاد الدائري وإدارة الموارد غير المستغلة، تتولى تنظيم هذا القطاع، وتوحيد جهوده، ووضع أطره التشريعية والاستثمارية، وتحويله إلى صناعة سيادية جديدة تسهم في الناتج المحلي، وتخلق فرص عمل نوعية، وترفع كفاءة استغلال الموارد الوطنية.

فكما كانت الموارد الطبيعية في الماضي محور الثروة، فإن "الموارد المعطلة اليوم" تمثل الوجه الآخر غير المكتشف من الثروة الوطنية، لكنها لا تتحول إلى قيمة إلا إذا أُديرت بعقل اقتصادي يرى ما وراء الشكل الظاهر للأشياء. وهكذا، لا يكون الاقتصاد الدائري مجرد نظرية، بل مشروعًا اقتصاديًا يعيد تعريف الثروة من جذورها.