السويس: مدينة الماء والتاريخ على مفترق الطرق البحرية
تمتلك المواضع الجغرافية الاستراتيجية، التي تشكل معابر للتجارة ومضايق للطرق الدولية سواء براً أو بحراً، قيمة قديمة متجددة لا تنضب. فما دامت نبضات شرايين التجارة العالمية تتدفق عبر هذه العروق الخالدة، تبقى هذه المواقع محط أنظار العالم وأطماعه.
من القلزم إلى السويس: رحلة اسم عبر الزمن
تعد مدينة السويس، الواقعة في أعالي البحر الأحمر، واحدة من أبرز هذه المواضع الحساسة. قبل أن تشق يد البشر قناة تربط بين البحر الأحمر والبحر الأبيض المتوسط، كانت هذه المدينة تعرف بأسماء متعددة عبر العصور. في العهود ما قبل الإسلامية، كانت تسمى "كاليزما"، ثم تحول الاسم خلال العصور الإسلامية إلى "القلزم"، حيث ظلت لردح طويل من الزمن مدينة تجارية بحرية بالغة الأهمية.
كانت "السويس" في الأصل مجرد ضاحية تابعة لمدينة القلزم، لكن مع مرور الوقت غاب الاسم الأصلي وطغى الاسم الفرعي لتصبح المدينة معروفة بهذا الاسم الذي نعرفه اليوم. تطورت السويس لاحقاً لتصبح محطة بحرية مهمة، خاصة خلال العهد العثماني، قبل أن تشهد نقطة تحول تاريخية كبرى مع إعادة افتتاح قناة السويس في عهد الخديو إسماعيل عام 1869، في حدث مهيب أعاد إحياء أهميتها على المستوى العالمي.
نعمة الموقع ونقمة الأطماع
قدر هذه المواضع الجغرافية الحساسة أن تعاني من نعمة موقعها الاستراتيجي، حيث تجلب دائماً أطماع القوى الخارجية والغزاة. يظهر هذا جلياً في حالة الاحتلال البريطاني لمصر عام 1882، الذي كان مرتبطاً ارتباطاً استراتيجياً وثيقاً بحماية قناة السويس وضمان السيطرة على هذا الممر المائي الحيوي.
في العصور الحديثة، بدأت الدراسات الجادة لشق القناة مع الحملة الفرنسية على مصر عام 1799، ثم عادت الفكرة بقوة في منتصف القرن التاسع عشر مع المهندس الفرنسي فرديناند ديليسبس ولجنته الهندسية. جاء تقرير عام 1855 ليثبت تساوي منسوب البحرين الأحمر والمتوسط، ويؤكد إمكانية تنفيذ مشروع الحفر العملاق.
جذور فكرة القنوات البحرية في التاريخ
لكن فكرة شق قنوات بحرية في هذه المنطقة لها جذور أقدم بكثير مما يعتقد الكثيرون. فقد ظهرت محاولات لربط النيل بالبحر الأحمر في عهود متعددة:
- في العصر الفرعوني
- خلال الحقبة البطلمية
- في مرحلة الاحتلال الفارسي
كما ظهرت أفكار لشق قناة مباشرة بين البحرين الأحمر والأبيض المتوسط. يذكر المؤرخ المسعودي -ونقل عنه الذهبي- أن الخليفة العباسي هارون الرشيد فكر في ربط بحر الروم (المتوسط) ببحر القلزم (الأحمر) عبر منطقة "الفرما" في مصر. لكن مستشاره يحيى البرمكي حذره قائلاً: "إن فعلت، فسيختطف الروم الناس من الحرم، وتدخل مراكبهم الحجاز".
بصمة المدينة على سكانها
للمدن الكبرى بصمتها الخاصة على سكانها ونسيجها الاجتماعي، والسويس من هذه المدن المميزة. يتكون سكانها من خليط من المصريين الذين جذبهم اقتصاد المدينة النابض وقناتها الحيوية منذ مراحل الحفر الأولى، مما صنع لديهم روحاً جماعية مميزة وفكرة البطولة المشتركة.
يلاحظ الكاتب أنور فتح الباب هذه الظاهرة من خلال تأمله في رمزيات "أولياء السويس"، الذين تحمل المدينة لقب "مدينة الغريب" نسبة إلى وليها الأشهر. يمثل "سيدي عبد الله الأربعين" أحد هذه الرموز، حيث يُفسَّر اسمه بأنه يشير إلى أربعين عاملاً استشهدوا أثناء حفر القناة. كما يبرز اسم "سيدي عبد الله الغريب" (أبو يوسف بن محمد بن يعقوب)، الذي تروي عنه الحكايات المحلية أنه قاد الأهالي في معركة "برزخ السويس" خلال العصر الفاطمي ضد جماعة "القرامطة".
السويس اليوم: شريان التجارة العالمية
إذا كان حديث التاريخ القديم وشبه القديم يروي قصة هذه المدينة العريقة، فإن لغة الاقتصاد المعاصر تخبرنا بقصة أخرى لا تقل أهمية. فاليوم، يمر عبر قناة السويس ما يقارب 12% من حجم التجارة العالمية، مما يجعلها أحد أهم الممرات المائية على وجه الأرض.
وحسب البيانات الصادرة عن البنك المركزي المصري، بلغت إيرادات القناة مستوى قياسياً وصل إلى 8.76 مليار دولار في العام المالي 2022-2023، قبل أن تشهد بعض التراجع في الفترة التالية. هذه الأرقام الضخمة تؤكد الأهمية الاقتصادية الاستثنائية لهذا المعبر المائي التاريخي.
خلود الموقع رغم تغير الأسماء والأزمنة
السويس أو القلزم، كاليزما أو أي اسم آخر حملته عبر العصور، تبقى في النهاية هي هي في فرادة موضعها الجغرافي. سواء قبل عصر قناة السويس والخديو إسماعيل، أو قبل حقبة المهندس ديليسبس ومشروعه العملاق، أو قبل عصر الرئيس جمال عبد الناصر وحروب السويس المشهورة، ظلت المدينة تحمل نفس العقدة الجغرافية - أو النعمة - ذاتها.
هذه العقدة التي جعلت منها نقطة التقاء بحرية فريدة، ومحطة مصيرية في رحلة التجارة العالمية، وموقعاً تاريخياً شهد تحولات كبرى شكلت وجه المنطقة والعالم. فكما يقول المثل المحلي الدارج: "عندك بحرية يا ريس"، تظل السويس مدينة البحر بامتياز، تربط بين الماضي والحاضر، وبين الشرق والغرب، في نسيج متصل لا ينقطع.