السوق العقاري السعودي يشهد مرحلة تصحيح هيكلي بعد موجة نشاط مرتفعة
سجّل السوق العقاري السعودي خلال شهر مارس من عام 2026 تراجعاً ملحوظاً في حجم وقيمة الصفقات، في مؤشر واضح على دخوله مرحلة تصحيح هيكلي بعد فترة من النشاط المكثف، مع استمرار العاصمة الرياض في تصدّر المشهد العقاري على مستوى المملكة، وفقاً للنشرة الشهرية الصادرة عن الهيئة العامة للعقار.
تصحيح صحي وانتقال نحو النضج
صرّح الخبير الاقتصادي عبدالعزيز الأحمري لـ«عكاظ» بأن هذا التراجع لا يُعد مؤشراً سلبياً، بل يمثل تصحيحاً هيكلياً صحياً للسوق. وأوضح أن السوق ينتقل من مرحلة النمو المدفوع بالمضاربات، خاصة في قطاع الأراضي، إلى مرحلة أكثر نضجاً ترتكز على الطلب الحقيقي من المشترين والمستثمرين.
وأشار الأحمري إلى أن الهبوط الحاد في صفقات الأراضي يعكس انحسار النشاط المضاربي، مما يعزز كفاءة السوق ويعيد توجيه الاستثمارات نحو الاستخدامات الفعلية. كما لفت إلى أن التزامن بين انخفاض عمليات البيع والإيجار يدل على دخول السوق مرحلة «إعادة تسعير شاملة»، مدفوعة بعوامل تمويلية وتنظيمية تشمل ارتفاع تكلفة التمويل وتشدد معايير الإقراض.
وأضاف الخبير الاقتصادي: «تراجع الإعلانات العقارية وتراخيص الوساطة يمثل انكماشاً مؤقتاً في النشاط التسويقي، لكنه في المقابل يرفع من مستوى الاحترافية ويحد من الممارسات غير المنظمة». كما أكد أن استقرار متوسط قيمة الصفقة رغم انخفاض عددها يدل على أن التصحيح يتركّز في حجم التداول وليس في انهيار الأسعار.
أرقام تفصيلية للتراجع
وبحسب نشرة هيئة العقار، انخفضت قيمة الصفقات السكنية إلى نحو 12.03 مليار ريال، مسجلة تراجعاً شهرياً بلغ 18%، وسنوياً بلغ 67%. كما هبط عدد الصفقات السكنية إلى 14.222 صفقة، بانخفاض 22% مقارنة بالشهر السابق، و52% على أساس سنوي.
وانخفضت الصفقات غير السكنية إلى نحو 1500 صفقة بقيمة 7.34 مليار ريال، مسجلة تراجعاً شهرياً تجاوز 20%. وفي السوق الإيجاري، انخفض عدد العقود السكنية إلى 181951 عقداً، متراجعاً بنسبة 32%، فيما بلغت العقود غير السكنية 46737 عقداً بانخفاض 29%، كما تراجعت قيمة صفقات الإيجار السكني إلى 4.06 مليار ريال، وغير السكني إلى 3.60 مليار ريال.
وعلى مستوى تفاصيل القطاع السكني، تصدّرت الأراضي قائمة التراجعات بانخفاض سنوي بلغ 59% بعد تسجيل 7720 صفقة، تلتها الشقق بـ3529 صفقة، ثم الفلل بـ1277 صفقة، في حين بلغ متوسط قيمة الصفقة السكنية نحو 741 ألف ريال، بانخفاض طفيف مقارنة بالفترات السابقة.
الرياض تتصدر المشهد العقاري
ورغم التراجع العام، حافظت الرياض على موقعها كأكبر سوق عقاري في السعودية، مستحوذة على 30% من إجمالي الصفقات بما يعادل 4773 صفقة، و48% من إجمالي القيمة بنحو 9.38 مليار ريال، تلتها منطقتا مكة المكرمة والمنطقة الشرقية بنسب أقل.
وأظهرت البيانات انخفاضاً في أعداد الإعلانات العقارية، إذ تراجعت إعلانات البيع بنسبة 46%، والإيجار بنسبة 27%، بالتزامن مع انخفاض تراخيص الوساطة والتسويق العقاري.
مرحلة طبيعية لإعادة التوازن
من جانبه، يرى الخبير العقاري المهندس عبدالناصر العبداللطيف أن ما يشهده السوق مرتبط بشكل مباشر بقرارات التوازن العقاري، مؤكداً أن هذا التراجع متوقع بعد فترة من الارتفاعات المتسارعة، ويمثل مرحلة طبيعية لإعادة ضبط الأسعار والحد من المبالغات التي تراكمت سابقاً.
وأشار العبداللطيف إلى أن السوق لا يمر بحالة ضعف، بل يعيش جزءاً من دورته الاقتصادية، مع تراجع الطلب غير الحقيقي المرتبط بالمضاربات، لافتاً إلى أن المرحلة الحالية تبدو أكثر ملاءمة للمشترين الراغبين في التملك، في ظل اتساع الخيارات وزيادة مرونة البائعين وتحسن فرص التفاوض.
فرص للمشترين وتحولات أوسع
وبيّن العبداللطيف أن فترات الارتفاع تفرض قرارات سريعة وتكاليف أعلى، بينما يمنح التباطؤ النسبي فرصة للشراء بهدوء وبشروط أكثر توازناً، مؤكداً أن السوق لا يمر بأزمة، بل يعيد ترتيب نفسه، وقد تمثل هذه المرحلة فرصة مناسبة لاتخاذ قرارات مدروسة، خصوصاً لمن يستهدف تملك مسكنه.
ويأتي هذا التراجع في سياق تحولات أوسع يشهدها القطاع العقاري، تستهدف رفع مستوى الشفافية وتعزيز كفاءة السوق، بما ينسجم مع مستهدفات رؤية 2030 في تطوير القطاع غير النفطي وتحقيق التوازن بين العرض والطلب، وصولاً إلى سوق أكثر استدامة واستقراراً على المدى المتوسط.



