التحول الكبير: كيف تعيد التنظيم والرقمنة والتمويل تشكيل سوق العقار السعودي
يشهد القطاع العقاري في المملكة العربية السعودية تحولاً استراتيجياً عميقاً، يقوده التقاء ثلاثة تطورات كبرى تعيد صياغة معادلات السوق بأكملها. هذه التطورات تتمثل في تفعيل قانون تملك الأجانب الجديد، والتوجه نحو رقمنة الأصول العقارية في مكة المكرمة والمدينة المنورة عبر تقنية تدوين العقارات، والتوسع في حلول التمويل الموجهة للشباب.
محور التنظيم: من الإقامة المؤقتة إلى الشراكة المستدامة
يمثل إطلاق نظام تملك الأجانب تحولاً بنيوياً في طلب العقارات، حيث ينتقل من نموذج الإقامة المؤقتة إلى نموذج أكثر استقراراً يرتكز على تملك الأصول ضمن الاقتصاد الوطني. هذا التحول من المتوقع أن يؤثر إيجابياً على مستويات السيولة وحجم الاستثمارات طويلة الأجل في القطاع.
ويوضح الخبير الاستثماري سامر شقير أن هذا التحول "يحول العلاقة الاقتصادية مع المستثمرين والمقيمين والمواهب العالمية من وجود مؤقت إلى شراكة تنموية مستدامة". ويضيف أن تمكين هذه الفئات من تملك العقارات "يساهم في توطين الثروة وتحويل التدفقات النقدية إلى أصول ثابتة وطنية تدعم الناتج المحلي غير النفطي".
محور الرقمنة: تدوين عقارات الحرمين يفتح آفاقاً جديدة
بالتوازي مع التطورات التنظيمية، يمثل التوجه لفتح سوق تدوين العقارات في مكة المكرمة والمدينة المنورة قفزة نوعية في تقنيات العقارات. يعتمد هذا النهج على رقمنة الأصول وتسهيل الاستخدام أو التملك عبر منصات رقمية منظمة.
ويرى شقير أن هذه الخطوة "تضع المملكة بين القادة العالميين ذوي الخبرة في تقنيات العقارات". ويؤكد أن رقمنة الأصول في المدينتين المقدستين "ستفتح الباب أمام تدفقات رأس المال الإسلامي عالي الجودة الذي كان يبحث عن قنوات استثمارية شفافة وآمنة بالقرب من الحرمين الشريفين".
محور التمويل: تغيير الطلب وإعادة تعريف المنتج
إلى جانب التحول التشريعي والتقني، تتجه حلول التمويل بشكل متزايد نحو الفئات الشبابية استجابة لأنماط الطلب السكني المتطورة. أصبح هذا الجيل يعطي أولوية لجودة الحياة والمجتمعات المتكاملة بدلاً من حجم الوحدة السكنية أو النماذج السكنية التقليدية.
ويؤكد شقير أن "الزخم الذي يقوده صندوق التنمية العقارية يعكس قراءة دقيقة لتحولات الطلب بين جيل الرؤية"، مشيراً إلى أن هذا الجيل "يميل نحو المجتمعات السكنية الذكية المتكاملة بدلاً من الوحدات مرتفعة التكلفة ذات القيمة طويلة الأجل المحدودة".
التكامل الاستراتيجي: نحو سوق أكثر نضجاً واستقراراً
يعكس تكامل التشريعات والرقمنة وحلول التمويل تحول سوق العقارات السعودي من النمو السريع إلى مرحلة أكثر تنظيماً ونضجاً. يعتقد سامر شقير أن هذا الانسجام "يتوافق مع نجاح البرامج الوطنية الهادفة لجذب المقرات الإقليمية ويعزز مفهوم الاستقرار السكني والمهني"، مما يدعم تحول المدن السعودية إلى مراكز عالمية للعيش والعمل والاستثمار.
ويضيف أن تأثير التملك يتجاوز قيمة المعاملات ليصل إلى قطاعات متعددة تشمل البناء ومواد البناء والتمويل والتأمين وإدارة المرافق والخدمات، مما يخلق ما يصفه بـ"تأثير المضاعف" حيث "كل ريال يتم ضخه في شراء وحدة سكنية يدور داخل الاقتصاد، مولّداً نشاطاً أوسع وفرص عمل مباشرة وغير مباشرة".
التحديات والفرص في المرحلة الجديدة
مع توسع قاعدة الطلب وتنويع أدوات الاستثمار، يصبح رفع جودة العرض أمراً بالغ الأهمية. ويشدد شقير على أن تلبية الطلب المتزايد "تتطلب جذب مطورين ذوي خبرة عالمية في بناء المدن الحديثة"، مشيراً إلى أن نظام تملك الأجانب "يساهم في خلق منافسة صحية ترفع جودة المنتج وتساعد على استقرار الأسعار".
ومع وضوح معالم هذه المرحلة الجديدة، يبقى التحدي الأكبر في قدرة السوق على إدارة هذا النمو بكفاءة وضمان توازن مستدام بين جاذبية الاستثمار وتلبية احتياجات المواطنين، في مشهد يعيد تعريف مستقبل القطاع العقاري السعودي بأكمله.