المرونة الحقيقية في زمن استهداف الشبكات: تحويل الأسطح إلى مصادر طاقة موزعة
في عالمٍ تزداد فيه التهديدات للبنية التحتية، تبرز أهمية تحويل أسطح المباني والمخزون العمراني إلى مصادر طاقة موزعة كحل استراتيجي لتعزيز المجتمع والاقتصاد والسيادة الوطنية. الحروب الحديثة لا تستهدف الجنود فحسب، بل تمتد لتشمل محطات توليد الكهرباء، ومنشآت تحلية المياه، وأبراج نقل الطاقة، ومستودعات الوقود، مما يجعل هذه المنشآت أهدافاً رئيسية وليست أضراراً جانبية.
التهديدات للشبكات المركزية والبدائل الموزعة
يظهر النهج غير الأخلاقي في استهداف البنية التحتية المدنية جلياً في الصراعات الإقليمية، مثل تلك الدائرة في منطقة الخليج، حيث تُناقش صراحةً استهداف دول مجاورة لا علاقة لها بالحرب. عسكرياً، يكفي تعطيل الشبكة لتعطيل الأمة بأكملها، وحتى دون هجوم عسكري، قد تؤدي اضطرابات سلاسل الإمداد إلى إلحاق ضرر كبير بالاقتصاد.
في هذا السياق، تتبنى دول مثل مصر تدابير جديدة لترشيد الطاقة، تشمل قطعاً كهربائياً شاملاً، بينما تواجه المملكة العربية السعودية، رغم عدم مشاركتها في حرب، تحديات في منطقة تشتعل فيها النزاعات. هذا يدعو صانعي القرار ومالكي العقارات إلى طرح سؤال استشرافي: كيف نبني ونشغل وطناً لا يمكن أن تُسلَب أو تنطفئ طاقته؟
دور الأسطح في تحقيق المرونة
الإجابة تكمن في تحويل الأسطح إلى مصادر طاقة موزعة. ففي بلدٍ يتمتع بوفرة شمسية استثنائية مثل المملكة العربية السعودية، يمكن لكل سطح سكني، وواجهة تجارية، ومظلة موقف، وفناء مدرسة أن يصبح مصدراً محتملاً للطاقة ينتظر التفعيل. هذه الأسطح الأفقية والرأسية هي أصول استراتيجية تساهم في تحقيق مبدأ "المرونة عبر التوزيع"، حيث يصبح الحي الذي يولد كهرباءه بنفسه محصناً ضد النزاعات العسكرية البعيدة.
المنطق الاقتصادي للطاقة الموزعة
يتجاوز التوليد المحلي للطاقة الجوانب الأمنية ليشمل فوائد اقتصادية كبيرة. كل كيلوواط ساعة تُولد محلياً من الطاقة الشمسية وتُستهلك في موقعها، تُحرر وقوداً أحفورياً للتصدير، مما يدر عائداً إضافياً بالعملة الأجنبية ويسهم في الثروة الوطنية. بالإضافة إلى ذلك، يتجنب التوليد المباشر من الأسطح الهدر في تحويل الطاقة ونقلها عبر مسافات بعيدة، مما يرفع الكفاءة الاقتصادية.
إعادة التفكير في التبريد وفرص المرونة
يُعد التبريد، الذي يشكل نحو 70% من الطلب الوطني على الكهرباء في المملكة، مجالاً حيوياً لتحقيق المرونة. تتوفر اليوم مصادر متجددة مختلفة للتبريد بخلاف الكهرباء، مثل شبكات التبريد المركزي، وأنظمة الامتصاص الحراري، والتبريد الإشعاعي، والتبادل الحراري بالتربة، والتي تستحق الاستكشاف على نطاق واسع لتخفيف الاعتماد على الشبكة الكهربائية.
تجاوز شهادات الاعتماد البيئي نحو المرونة الحقيقية
رغم أهمية شهادات المباني الخضراء مثل LEED وBREEAM، فإن التحدي التالي يكمن في تحقيق المرونة الحقيقية والقدرة على البقاء في الظروف الصعبة. مبنىً يعتمد كلياً على الشبكة العامة للطاقة، حتى لو حصل على أعلى الشهادات، يظل رهيناً باستمراريتها في أوقات الأزمات. العالم بحاجة إلى تحول جذري في مفهوم أداء المبنى، من التركيز على كفاءة استهلاك الطاقة إلى قدرته على الصمود عند تعطل الطاقة الخارجية.
التصميم والتخطيط للمرونة
يبدأ الحل الأمثل بالتصميم الجيد الذي يجسد التكامل بين الوظيفة والشكل، مع مراعاة الجاهزية التشغيلية في أوقات الأزمات. يحتاج المخططون والمعماريون والمهندسون إلى تعاون فعّال لتحقيق تكامل منطقي وعالي التأثير، مع استكشاف كل فرص توفير الطاقة والراحة والكفاءة الاقتصادية في المراحل المبكرة من التصميم.
التعامل مع المخزون العمراني القائم
يمثل المخزون الضخم من المباني القائمة في المملكة تحدياً وفرصة كبيرة. يجب اتخاذ قرارات إعادة التأهيل أو الاستبدال بناءً على إطار قراري مهيكل يُقيّم كل مبنى وفق معايير واضحة، مثل العمر الإنشائي المتبقي وإمكانية إعادة التأهيل وتكلفتها.
فرصة التشريع والتحرك الحاسم
تتمتع المملكة العربية السعودية بموقع استثنائي للتحرك نحو مرونة توليد الطاقة اللامركزي، بفضل الإرادة السياسية والموارد الاقتصادية والمورد الشمسي الفريد. الفرصة الآن هي توسيع هذا الطموح ليشمل المباني، من خلال بيئة تشريعية تجعل الاكتفاء الذاتي بالطاقة متطلباً معيارياً في المنشآت الجديدة وهدفاً قابلاً للتحقيق في المخزون القائم.
في الختام، يظل المبدأ القائل بأن الأنظمة المركزية تحمل هشاشة متأصلة، وأن المرونة من خلال توزيع نقطة الضعف هي شكل من أشكال القوة السيادية، ذا أهمية طويلة الأمد. أحد الاستثمارات الذكية التي يمكن للمملكة القيام بها اليوم هو تقريب سيادة الطاقة من الناس وإشراكهم في تكوينها على مختلف المستويات، لأن أمة تنتشر طاقتها في كل مكان هي أمة لا يمكن أن تغرق في الظلام.



